السيد محمد حسين فضل الله
52
من وحي القرآن
روحية المساجد التي هي إخلاص العبادة للَّه - وحده - أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فلا قيمة لها عند اللَّه ، لأنه لا يغفر أن يشرك به ، لأن الشرك يمثل تمردا عليه وإساءة لقدس جلاله وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ فذلك هو الجزاء العادل لهؤلاء الذين يعيشون في نعم اللَّه الذي خلقهم وأوجدهم من عدم ، ثم يواجهونه بالتمرّد عليه والانصراف عنه إلى غيره ، في ما يسيء إلى الإنسان والحياة ، مما يخرج الشرك عن أن يكون عملا فرديا خاصا ليتحول إلى عمل يتصل بسلامة المجتمع في تصوراته المنحرفة وسلوكه الأعوج . المساجد يعمرها المؤمنون إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فهذا هو النموذج الإنساني الذي يحقق للمساجد رسالتها ، ويعطيها معناها ، ويحركها في الاتجاه الروحي الذي يجعل منها أبوابا مفتوحة على الحياة المتحركة من خلال اللَّه وباسمه ، لينطلق الإنسان على أساس ذلك ، عاملا في أرض اللَّه في الأجواء الروحيّة التي يختزنها في أعماقه من روحيّة الإيمان في المسجد . فقصة المسجد ، ليست في هذه الأحجار الجامدة التي تمثل سقفه وحيطانه ، وليست في هذه الأشكال المزخرفة التي توحي بعظمة الفن وروعة الإبداع ، بل هي في الإنسان الذي يعمر المسجد بالعبادة المنطلقة من الفكر الإيماني ، والشعور الروحي ، والممارسة الخيّرة ، حيث يتحول المسجد إلى ساحة للانطلاق الإنساني من أجل بناء الحياة على قواعد الحقّ والقوّة والعدل ، من خلال ما يثيره من عمق الروحيّة الواقعية التي تصنع الإنسان المسؤول الفاعل ، الذي يعطي الحياة من نفسه وطاقاته أكثر مما